logo
القائمة

 

تعد مستشفي الدمرداش أول مستشفي تم انشاؤها عام 1928 في مستشفيات جامعة عين شمس  حيث تم انشاؤها بتبرع من السيد عبد الرحيم الدمرداش (باشا) وتقع بحي العباسية بالقاهرة وتعد من أقدم وأكبر المستشفيات بالقاهرة

وهى تابعة إلى هيكلة المستشفيات الجامعية لكلية الطب جامعة عين شمس وهي حاليا مستشفي الجراحة ومستشفي الدمرداش وتتخصص المستشفيات في تعليم طلبة كلية الطب بجامعة القاهرة . إلي إن قامت جامعة عين شمس بالعباسية فاستقلت بمستشفي الدمرداش. وأنشأت كلية الطب سنة (1947).


  شروط بناء مستشفي الدمرداش 

  1. أن يكون هذا المستشفي عاما لجميع الأمراض ماعدا المعدية ويكون به الأقسام المعروفة وعيادة خارجية
  2. (قبول جميع المرضي الفقراء مجانا دون ٍالنظر إلي جنسياتهم-او دياناتهم)   ٍ
  3. ٍيجوز أٍنٍٍٍٍ يقبل مرضي من المستثمرين علي أن يدفعون رسوما  وهي  .أكبر مستشفي جامعي في القاهرة  وتبرع بانشائة الدمرداش باشا شيخ الطريقة الدمرداشية وتربي في مصر وخدم السلطان (قايتباي)فانعم علية بأرض المحمدي بالعباسية (الدمرداشية تحتفل بذكري اعتكاف الرسول (ص)في غار (ثور )أثناء هجرته من مكة إلي المدينة ،وبقائةفي الغار ثلاثة أيام متوالية بدون إن يتذوق طعاما خلالها ومن مؤلفات الشيخ الدمرداش كتاب " القول الفريد في التوحيد ,كتاب (تحفه الطلاب في حضرة الوهاب) ، وكتاب جمع الأسراروكشف الأستار" ٍوهذا الكتاب الأخير موجود في المكتبة الأصلية بمدنية أزمير بتركيا .وقد توفي الشيخ الدمرداش سنة (929 -1524 ) ميلاديا اى بعد زوال دولة المماليك ٍودخول العثمانيين مصر ، ودفن بمسجده الحالي بحي المحمدي بالعباسية أن جامع الدمرداش عامر بما قدرته عليه أوقافه من ريع كبير، وبمناسبة هذه الهبة الجليلة نشرت (المصور) في( 17/8/1928 ) دراسة لم يسبق نشرها عن الطريقة الدمرداشية ألقت الكثير من الضوء علي هذه الطريقة التي تميزت بملامح ومواصفات تختلف عن بقية الطرق الصوفية , فرغم إن هذه الطريقة كانت تتمسك بالنهج الصوفي في تربية أعضائها إلا أنها كانت تحصر عدد أربابها في ثمانين عضوا فقط يتوارثون (الخلوات ) ولم يكن لها فروع خارج القاهرة مثل بقية الطرق الصوفية المنبثة في إنحاء البلاد هوا لشيخ الجليل والسيد النبيل المحسن الأكبر صاحب الفضيلة والإرشاد سعادة الشيخ عبد الرحيم مصطفي الدمرداش (باشا) ولد بالقاهرة سنة (1270)  في زاوية جده سيدنا الشيخ الدمرداش المحمدي بقرية الدمرداش با لعباسية أن يطلق علي هذه المستشفي اسم(مستشفي السيد عبد ا لرحيم مصطفي الدمرداش وأسرته) وأن يكتب ذلك علي لوح من الرخام ويوضع علي باب المستشفي

دعا صاحب السعادة السيد عبد الرحيم الدمرداش( باشا) إلي منزله بالرمل ليلة أمس حاضرات أصحاب الدولة و المعالي الوزراء وسلمهم كتابا يتضمن تبرعه بمبلغ 25 ألف جنية وتبرع كريمته (قوت القلوب الدمرداشية) بمبلغ 50 ألف جنية وزوجة بمبلغ 25 ألف جنية ؛ ومساحة من الأرض تبلغ 15 ألف متر مربع بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا ) أمام جامع الدمرداش ليبني عليها مستشفي خيري يسع0 09سريرا ويقام بمبلغ 40ألفٍٍٍٍٍٍ من المبلغ المتبرع به وما بقي وهو ستون ألف جنية يرصد دخله في الإنفاق علي المستشفي بشرط أن تتعهد الحكومة بسد العجز في النفقات 0 (والذي تبرع باقامتة في عام (1928) ؛ السيد عبد الرحيم الدمرداش شيخ الطريقة الدمرداشية ؛واحد أثرياء مصر المعدودين (وقد تنازل للحكومة عن الأ رض التي ورثها عن جدة الأ كبر سيد محمدي الدمرداش في الحي المعروف بالعباسية فاحتفلت الحكومة بافتتاحه في حفل كبير في العاشر من يونيو سنة (1931) وبمناسبة الافتتاح نشرت المصور علي غلافها صورة للمستشفي وبداخله منظر للعمال وهم يقومون بتركيب التمثال فوق قاعدته (تنفيذا لوصية الدمرداش الذي قالت عنة المصور )ان البلاد ستذكر لهذا المحسن الكبير تلك الاريحية التي دفعته الي اتيان هذا العمل العظيم الذي سيلبث علي مدي الايام مثلا حيا يدفع الاغنياء الاقتداء بذلك المحسن فيما قدمه لامته من عمل صالح( واشترط سعادته أيضا أن يقام في المستشفي مصلي وان تبني له فيها حجرة لدفنه فيها, وقد قبلت الحكومة هذه الشروط وتعهد ان يدفع مبلغ الأربعين الف جنيه طالما تقدم له رسوم البناء وقد عزمت الحكومة علي تقديم هذه الرسوم بعد شهرين (الأهرام انه لعمل جليل تقابله الأمة كلها بكل الارتياح المقرون بالدعاء لهذا الرجل , المحسن الكبير الذي لم يتقدم متبرع بمثل هذا المبلغ وأمل كبار الأمة ٍوادباؤها وكتباؤها يقابلون عمله بما يستحقه من الإعجاب والاخلاص (وفاء لحقه وتنشيطا لهم بدفع هذا السبيل سبيل الخير والإحسان) (ويشترط للشروط الا تى ) 

أولا – قطعة أرض من أملاكنا بتلك الجهة تبلغ مساحتها 15 ألف متر تقريبا .

ثانيا – أن يدفع مبلغ اربيعن ألف جنية للبناء بعد اطلاعنا على الرسم الابتدائي ومصادقتنا عليه .

ثالثا – تعهد من الآن بدفع مبلغ ستين ألف جنيه تستغلها الحكومة للا نفاق من ريعها على المستشفى وذلك متى تم البناء واذا لم يكف ريع هذا المبلغ للصرف على المستشفى فان الحكومة تتعهد بدفع الباقي من طرفها سنويا .  

الأوقاف تتحول من الإنفاق علي التكايا والأسبلة إلي المدارس والمستشفيات‏.‏ في انتخابات‏1908:‏ فاز الدمرداش باشا بأن جعل شيوخ الطريقة البيومية يحلفون بالطلاق علي مساعدته‏.


 

بقلم : دكتور يونان لبيب رزق

تحت هذا العنوان نشرت الأهرام في عددها الصادر يوم الأحد‏5‏ أغسطس عام1928‏ خبرا هذا نصه‏:‏

‏دعا صاحب السعادة السيد عبد الرحيم الدمرداش باشا إلي منزله بالرمل ليلة أمس حاضرات أصحاب الدولة والمعالي الوزراء وسلمهم كتابا يتضمن تبرعه بمبلغ‏52‏ ألف جنيه‏,‏ وتبرع كريمته‏(‏ قوت القلوب الدمرداشية‏)‏بمبلغ50‏ ألف جنيه وزوجه بمبلغ‏52‏ ألف جنيه‏,‏ ومساحة من الأرض تبلغ‏51‏ ألف متر مربع بشارع الملكة نازلي‏(‏ رمسيس حاليا‏)‏ أمام الدمرداش ليبني عليها مستشفي خيري يسع‏57‏ سريرا ويقام البناء بمبلغ‏04‏ ألف جنيه من المبلغ المتبرع به وما بقي وهو ستون ألف جنيه يرصد دخله في الإنفاق علي المستشفي بشرط أن تتعهد الحكومة بسد العجز في النفقات‏'.‏

وتستطرد الجريدة بذكر أن الدمرداش باشا قد اشترط‏'‏ أن يقام في المستشفي مصلي وأن تبني له حجرة لدفنه فيها‏,‏ وتعهد بأن يدفع مبلغ الأربعين ألف جنيه حالما تقدم له رسوم البناء‏,‏ وقد عزمت الحكومة علي تقديم هذه الرسوم بعد شهرين‏'.‏

ولم تكن الأهرام لتفوت هذا الخبر دون تعليق‏,‏ فقد شكرت للرجل باسم الأمة هذا العمل الجليل الذي قام به والذي‏'‏ لم يتقدمه متبرع بمثل هذا المبلغ ولعل كبار الأمة وأدباءها وكتابها يقابلون هذا العمل بما يستحقه من الإعجاب والإخلاص وفاء لحقه وتنشيطا للهمم فتندفع لهذا السبيل‏..‏ سبيل الخير والإحسان‏'!‏

ونتوقف هنا عند أمرين‏;‏ الظاهرة والرجل‏..‏
‏*‏ الظاهرة‏:‏رغم اعتقاد البعض أنها تقليد لبعض العادات الغربية من تخصيص الهبات‏ لبناء مؤسسات بعينها في طليعتها المستشفيات‏,‏ فإن التعمق في أغوار التاريخ العربي في مصر يؤكد جذورها الإسلامية‏,‏ فيما تمثل في نظام‏'‏ الوقف‏'.‏
ويقدم لنا الدكتور محمد عفيفي في دراسته الضافية عن‏'‏ الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني‏'‏ صورة للدور الذي كان يؤديه هذا النظام في تقديم‏'‏ الخدمات العامة‏'‏ التي كانت لا تقوم بها حكومة الباشا ممثل الدولة العلية‏,‏ بحكم طابعها الإقطاعي الذي كان يقصر مهمة الدولة علي الدفاع والأمن وجمع الضرائب‏,‏ وتركت ما دون ذلك للمحكومين الذين أوقفوا الأراضي وغيرها لأغراض الخدمة العامة‏;‏ تعليم‏:‏ الأزهر والمساجد الجامعة والكتاتيب‏,‏ صحة‏:‏ بيمارستانات‏,‏ والتي انتهت في أواخر ذلك العهد إلي بيمارستان واحد‏(‏ المنصوري‏)‏ وخدمات اجتماعية‏:‏ حمامات وتكايا وأسبلة وغيرها‏.‏

ورغم حالة الكساد الاقتصادي التي أصابت مصر أيام الحكم العثماني‏,‏ إلا أن التقليد ظل سائدا‏,‏ مما تحفل به أوراق المحكمة الشرعية‏,‏ ورغم ما حدث خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر من قيام الدولة الحديثة علي يد الباشا المشهور محمد علي‏,‏ وتحملها للمسئوليات التي كانت تقوم بها الأوقاف‏,‏ غير أنه النظام استمر قائما خاصة وقد وقر في أذهان المصريين الحديث النبوي الشريف‏'‏ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث‏;‏ صدقة جارية‏,‏ أو علم ينتفع به‏,‏ أو ولد صالح يدعو له‏',‏ مما وفر الوازع الديني لهذا الاستمرار‏.‏
وقد أوجد استقرار الملكية الزراعية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر‏,‏ وما تبع ذلك من نشوء طبقة الأعيان‏,‏ المقوم المادي لاستمرار الأوقاف‏,‏ بحكم ما ورثه هؤلاء عن أجدادهم من تقاليد‏,‏ مما أدي إلي زيادة حجم الأوقاف‏,‏ الذي انعكس علي تحويل المصلحة الخاصة بها إلي وزارة في‏12‏ نوفمبر عام‏3191.‏

بيد أن اختلافا حدث تبعا لمتغيرات العصر بعد أن اختفت التكايا والأسبلة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية في العصر العثماني ليحل محلها المدارس والمؤسسات الاجتماعية مثل المبرات والجمعيات الخيرية‏,‏ هذا فضلا

عن المستشفيات‏.‏
وتعدد الأهرام عدد المستشفيات التي نهض الأعيان بإقامتها وتخصيص الأوقاف لاستمرارها‏,‏ خلال العشرين العام السابقة علي الهبة العظيمة‏:'‏ في سنة‏6091‏ أنشأ الشواربي باشا مستشفاه الخيري في قليوب بسعة‏06‏ سريرا وينفق عليه من وقفه‏0041‏ جنيها في السنة‏,‏ وتبلغ نفقاته‏0073‏ جنيها‏,‏ يليه مستشفي المنشاوي باشا في طنطا والبدراوي باشا في سمنود‏.‏
‏'‏ومن سنة‏3291‏ إلي اليوم كثر إنشاء المستشفيات‏,‏ فقد جمع أهالي مركز طهطا مبلغا من المال أنشئوا به مستشفي يسع‏51‏ سريرا‏,‏ وفي سنة‏5291‏ أنشأ صالح باشا لملوم مستشفي في مغاغة يسع‏21‏ سريرا‏,‏ وهو ينفق عليه في السنة‏008‏ جنيها‏,‏ وتنفق عليه الحكومة‏0001‏ جنيها‏,‏ وفي سنة‏6291‏ تبرع أهالي ملوي بنفقات مستشفي يسع‏61‏ سريرا‏,‏ وتبلغ نفقاته السنوية‏0061‏ جنيها‏,‏ وفي نفس السنة تبرع الشوربجي بك بدار لإنشاء مستشفي يسع‏03‏ سريرا‏,‏ وفي العام التالي جمع أهالي مركز ميت غمر مبلغا أنشئوا به مستشفي يبلغ عدد أسرته‏42,‏ وتبرع عبد العزيز بك بمبلغ كبير لإنشاء مستشفي في زاوية الناعورة يسع‏61‏ سريرا‏,‏ وجمع أهالي الفكرية بأبي قرقاص مبلغا من المال لإنشاء مستشفي يسع‏52‏ سريرا‏,‏ وأنشأت المرحومة حرم المرحوم منشاوي باشا مستشفي للولادة في العباسية يسع‏02‏ سريرا ورصدت دخلا من وقفها للإنفاق عليه‏,‏ وأوصي المرحوم أحمد طلعت بك قبل وفاته بأن تكون داره الكبيرة في السيوفية ملجأ للعجزة والمصابين‏,‏ يسع‏03‏ سريرا وينفق عليه من وقفه‏'.‏
‏*‏ أما الرجل فقد كان شيخا لطريقة صوفية‏,‏ هي الطريقة الدمرداشية‏,‏ وكانت أحد فروع الطريقة الخلواتية‏,‏ أسسها محمد دمرداش المحمودي عام‏2251,‏ أي بعد الفتح العثماني بقليل‏,‏ وقد ظلت مشيختها تتوارث داخل الأسرة حتى  انتهت إلي الشيخ مصطفي الدمرداش والد عبد الرحيم باشا‏,‏ الذي ورثها عن أبيه وقد اقترب من الثلاثين‏.‏
وكما تقول الأهرام فإنه عندما تولي مشيخة الطريقة كانت قاصرة علي عدد قليل من العامة والتجار والأعيان يحيون شعائرها‏,‏ ويقرءون مساء كل خميس أورادها ويعقدون مجلس الذكر في قبة آل عبد الله محمد الدمرداش‏'‏ وبالرغم من أن المشاغل الدنيوية أخذت الكثير من وقت عبد الرحيم باشا‏,‏ فقد أصبح عدد رجال الطريقة الدمرداشية وفيرا أضعافا مضاعفة لما كان عليه في عهد أسلافه الكرام‏,‏ وكان رجال الطريقة الدمرداشية من خيرة العلماء والتجار وأرباب الصناعات‏,‏ أو هم علي الأصح أنظف مجموعة من رجال الطرق الصوفية في الديار المصرية عموما‏'.‏

وتضيف جريدتنا أن للطريقة أوقافا عظيمة لا يقل ريعها عن أربعة آلاف جنيه جنيها سنويا وينتظر عليها شيخ السجادة الدمرداشية‏,‏ وعلي الرغم من جسامة هذا المبلغ بتقديرات العصر‏,‏ إلا أننا نظن أن عبد الرحيم الدمرداش كان ينمي ثروته بوسائل أخري‏.‏
ورد في مذكرات أحمد شفيق باشا ناظر ديوان الأوقاف قبل تحوله إلي وزارة‏,‏ واقعة عن الطرق التي كان ينمي بها عبد الرحيم باشا ثروته‏,‏ قال‏:'‏ ومما أذكره أنني قبل خروجي‏(3191)‏ تركت مذكرة لخلفي لفت فيها نظره إلي بعض المسائل الهامة قانونية كانت أو إدارية‏,‏ ومن بينها رفع دعوي ضد عبد الحميد باشا الدمرداش‏,‏ بخصوص أرض بالقرب من حدائق القبة‏.‏ وكنت قد سلمت أوراقها إلي ناظر الداخلية محمد سعيد باشا بناء علي أمر الجناب الخديوي لفحصها ومعرفة ما إذا كان للديوان الحق في رفع هذه الدعوي‏',‏ ويعقب علي هذه الواقعة بأنه لما طلب خلفه هذه الأوراق من سعيد باشا أخبره أنه كان سلمها إلي وكيله لبحثها‏,‏ وأنها فقدت من مكتبه‏,‏ ونري أنها قد عرفت طريقها إلي بيت شيخ الدمرداشية‏!‏
وتشير مضابط المجالس النيابية في مصر أن الرجل تم انتخابه في الجمعية العمومية كواحد من أربعة من ممثلي القاهرة في ثلاث هيئات‏,‏ الأولي كانت الهيئة الثانية‏(1981-4981),‏ ثم الهيئة الرابعة‏(2091-7091),‏ والتالية لها‏(9091-2191),‏ كما انتخب عضوا في الجمعية التشريعية أيضا‏(3191-4191).‏
بمعني آخر أن عبد الرحيم باشا الدمرداش ظل عضوا في الهيئات النيابية التي عرفها ذلك العصر بشكل شبه دائم‏,‏ ورغم تآمر الخديوي عباس علي إسقاطه خاصة بعد انضمامه لحزب الأمة الذي لم يرض عن رجاله‏,‏ إلا

أنه كان ينجح في كل مرة رشح فيها نفسه‏,‏ بقوة نفوذه بين الطرق الصوفية وبقوة ماله في نفس الوقت‏,‏ الأمر الذي تدل عليه القصة التي رواها رجل القصر‏'‏ أحمد شفيق باشا‏'‏ عن انتخابات عام‏8091,‏ فقد رشح عباس الثاني أمام الشيخ الدمرداش أحد رجاله‏,‏ واسمه إبراهيم راجي بك‏,‏ ودعمه بكل قوته‏,‏ إلا أن عبد الرحيم باشا أحضر مشايخ البيومية‏'‏ وحلفهم بالطلاق ألا يساعدوا أحدا خلافه‏',‏ ونجحت الخطة وحصل شيخنا علي‏021‏ صوتا مقابل‏06‏ فحسب لمنافسه رجل الخديوي‏,‏ وهو ما حدث مرة أخري حين انتخب في الجمعية التشريعية عن دائرة الجمالية‏,‏ أحدي الدوائر الشعبية التي يؤثر فيها النفوذ الصوفي‏.‏

‏***‏
وبحكم ما تمثله النصوص في هذه المناسبات من تعبير عن أفكار العصر‏,‏ فقد نشرت الأهرام في عددها الصادر يوم الأربعاء‏8‏ أغسطس عام‏8291‏ نص الهبة‏,‏ وجاء علي شكل خطاب موجه إلي رئيس الوزراء‏,‏ قال‏:‏

‏'‏نتشرف نحن الموقعين علي هذا عبد الرحيم الدمرداش وحرمه وكريمته السيدة قوت القلوب هانم الدمرداش بأن نعرض علي دولتكم الآتي‏:‏

‏'‏قد صحت عزيمتنا علي إقامة مستشفي خيري بشارع الملكة نازلي بحي الدمرداش بالعباسية قسم الوالي تديره الحكومة ونتبرع لذلك بما يأتي‏:‏
‏'‏أولا‏:‏ قطعة أرض من أملاكنا بتلك الجهة التي تبلغ مساحتها‏51‏ ألف متر مربع تقريبا‏.‏

‏'‏ثانيا‏:‏ أن ندفع مبلغ‏40 ألف جنيه للبناء بعد اطلاعنا علي الرسم الابتدائي ومصادقتنا عليه‏.‏
‏'‏ثالثا‏:‏ نتعهد من الآن بدفع مبلغ‏60‏ ألف جنيه تستغلها الحكومة للإنفاق من ريعها علي المستشفي وذلك متى تم البناء‏.‏ وإذا لم يكف ريع هذا المبلغ للصرف علي المستشفي فإن الحكومة تتعهد بدفع الباقي من طرفها سنويا‏.‏
ونشترط الشروط الآتية‏:‏
‏'‏أولا‏:‏ أن يكون هذا المستشفي عاما لجميع الأمراض ما عدا المعدية ويكون به الأقسام المعروفة وعيادة خارجية‏.‏
‏'‏ثانيا‏:‏ يقبل المستشفي جميع المرضي الفقراء مجانا بدون نظر إلي جنسياتهم أو دياناتهم‏.‏

‏'‏ثالثا‏:‏ يجوز أن يقبل مرضي من الموسرين يدفعون رسوما‏.‏
‏'‏رابعا‏:‏ أن يطلق علي هذا المستشفي اسم السيد عبد الرحيم مصطفي الدمرداش وأسرته‏,‏ وأن يكتب ذلك علي لوح من الرخام يوضع علي باب المستشفي‏.‏

‏'‏خامسا‏:‏ أن تبني بفناء المستشفي مصلي لأداء الفريضة الشرعية في المستشفي‏.‏
‏'‏سادسا‏:‏ أن يبني داخل المصلي المذكورة ضريح لنا علي أن يكون خاصا بنا نحن الموقعين علي هذا لا يدفن فيه سوانا‏.‏
‏'‏ثامنا‏:‏ تتعهد الحكومة تعهدا صريحا بأن تتولي أعمال الصيانة والترميم اللازمة لهذا المستشفي وإذا تهدم جزء منه أو كله أو احتيج إلي تجديد بنائه قامت الحكومة بذلك بحيث لا ينقطع الاستشفاء فيه إلا بمقدار ما تقتضيه الضرورة القصوى لإتمام العمل‏.‏

‏'‏سابعا‏:‏ أن يوضع لي تمثال نصفي داخل المستشفي تدون علي قاعدته العبارة الآتية‏(‏ تمثال السيد عبد الرحيم الدمرداش باشا منشئ هذا المستشفي‏).‏
‏'‏تاسعا‏:‏ يحتفل سنويا بذكري السيد عبد الرحيم مصطفي الدمرداش في اليوم الذي يوافق يوم الاحتفال بافتتاح المستشفي‏,‏ ويوزع علي المرضي بالمستشفي مقدار من الحلوى ويقدم شيء منها للمدعوين للاحتفال‏.‏
‏'‏عاشرا‏:‏ أن تكون الدعوة لحضور الاحتفال لافتتاح المستشفي موجهة إلي المدعوين من السيد عبد الرحيم مصطفي باشا الدمرداش‏'!‏

النص الآخر الذي نشرته الأهرام كان رد محمد محمود باشا رئيس الوزراء وجاء فيه‏:‏
‏'‏تلقيت كتاب سعادتكم الذي تفضلتم فأفدتموني فيه بالهبة الجليلة التي حدتم بها وأسرتكم الكريمة عطفا علي

الفقراء وشفقة علي المرضي‏.‏

‏'‏ولئن أكبرت هذه الأريحية النادرة فهي إلي ما فيها من رحمة وإحسان وبر لله وحنان تخلد لاسمكم أجمل الذكري وأطيب الأحدوثة علي وجه الزمان‏.‏ مثال بديع يحتذيه أغنياء البلاد وداع قوي يحفز هممهم إلي فعل الخير ويستنهض نفوسهم إلي البذل والتضحية في سبيل المصلحة العامة وهي إلي جانب ذلك فخر لمصر إذا تفاخرت الأمم بعظمائها المحسنين‏'.‏
ولم تمض سوي أيام قليلة حتي عقد مجلس الوزراء اجتماعا لبحث الشروط التي وضعها صاحب‏'‏ الهبة العظيمة‏'‏ ووافق عليها دون تردد‏,‏ وبدأت إجراءات وضعها موضع التنفيذ‏.‏

‏***‏
في يوم الاثنين‏31‏ أغسطس عام1928‏ سلم الدمرداش باشا إلي رئيس الوزراء كتابا من البنك الشرقي الألماني الذي يودع فيه أمواله صرح فيه بموافقته علي الرسم الذي وضع للمستشفي بوضع مبلغ نفقات البناء وقدرها‏04‏ ألف جنيه مصري تحت تصرف وزارة الأشغال‏,‏ وتشفع الأهرام الخبر بالقول‏'‏ وقد فهمنا أن رسم المستشفي وضعته مصلحة المباني مع إدارة الصحة العامة‏,‏ وإن هذا المستشفي سيكون من أفضل البيوت الصحية في مصر‏'.‏
وساقت الأهرام بعض تفاصيل عن ذلك الرسم‏..‏ مساحة الأرض‏00421‏ متر مسطح يقام عليها مستشفي يسع‏09‏ سريرا‏,‏ ويحتوي علي الأقسام التالية‏:‏ الإدارة‏-‏مع سكن للطبيب المقيم ورئيسة الممرضات‏,‏ عنبرين للمرضي‏,‏ قسم للعمليات‏,‏ قسم للعيادة الخارجية‏,‏ قسم للمطابخ‏,‏ قسم للمغسل‏,‏ قسم للمشرحة‏,‏ قسم العزل‏,‏ وأخيرا المسجد ومقابر الدمرداش وزوجته وابنته‏.‏

وفي يوم السبت‏52‏ نوفمبر‏,‏ وفي تمام الساعة الثالثة والنصف اكتمل الجمع لحضور الاحتفال بوضع حجر الأساس للمستشفي الجديد‏,‏ ويقول مندوب الأهرام الذي كان حاضرا أنه‏'‏ من العبث أن نحصي أسماء الحاضرين‏,‏ فالحاضرون هم وزراء مصر الحاليون والسابقون ووكلاء الوزارات ورجال الدين وكل ذي مقام ومركز فلا نعرف طبقة من طبقات الأمة لم تكن ممثلة في ذاك الجمع‏'.‏
ولم تكن مفاجأة للحاضرين أن يجدوا أقوي شخصيتين في البلاد في وسطهم‏;‏ المندوب السامي اللورد لويد الذي استقبل بالتصفيق‏,‏ ومحمد محمود باشا رئيس الوزراء‏,‏ الذي كان يطلق عليه في ذلك الحين‏'‏ صاحب اليد الحديدية‏',‏ والذين أعدت لهم المقاعد علي نحو يليق بمقاماتهم‏.‏

كانت أهم الكلمات التي ألقيت كلمة صاحب‏'‏ الهبة العظيمة‏'‏ بالطبع والتي نوه فيها بأن قصده من هذا العمل‏'‏ تخفيف آلام الحياة علي المرضي والمنكوبين من بني الإنسان إجابة لنداء الضمير وتحقيقا لأسمي أغراض الدين الإسلامي الحنيف الذي يوجب مواساة المرضي ومساعدة البائسين‏,‏ وإن اللذة التي أشعر الآن بها لا تساويها كل مسرات الحياة ولذاتها من جاه ومال وحسب ونسب وما إلي ذلك‏'.‏
وقد رأي مندوب الأهرام المائدة المنصوبة أمام الدمرداش باشا وضيوفه وقد وضع عليها آلات رص الأساس وأدوات إقامة الجدران‏..‏ كما وضع علي الغطاء إناء من الصفيح أو‏(‏ حق‏)‏ حسب التسمية الشائعة وقتئذ‏,‏ به قطع من العملة المصرية‏,‏ ثم إناء من الفضة فيه مسطرة من الفضة ومحضر الحفل‏,‏ المكتوب علي رق غزال‏,‏ وقد وقع عليه كبار الشخصيات الحاضرة‏;‏ رئيس الوزراء والمندوب السامي والوزراء‏.‏ ووقف الجميع في انتظار اللحظة التي يضع فيها محمد محمود باشا كل تلك الأشياء في مكانها من حجر الزاوية الذي كان قد تم تجويفه‏'‏ ثم تناول الطين ودلك به فوهة الحجر ووضع فوقه القفل‏,‏ وفوق القفل المحكم الشبكة الحديدية‏',‏ وانتهت بذلك مراسم الاحتفال المهيب‏.‏

ولم يكن بالإمكان أن ينتهي هذا العمل دون ردود فعل واسعة‏,‏ والتي شملت دوائر عديدة‏:‏
كان هناك‏(‏ أولا‏)‏ رد الفعل الصحفي‏,‏ والذي شارك فيه قراء الجرائد‏,‏ ننتقي منه بعض ما جاء في الأهرام‏,‏ ففي مقال تحت عنوان‏135000 جنيه‏-‏ التعاون أساس حياة الأمم‏'‏ ظهر في عدد جريدتنا الصادر يوم‏9‏ أغسطس‏,‏ وقد استهلته بتقريظ مستحق لصاحب‏'‏ الهبة العظيمة‏'‏ جاء فيه‏'‏ إن الذين يعرفون السيد عبد الرحيم باشا الدمرداش والذين لا يعرفونه‏,‏ الذين يحبونه والذين يكرهونه يقولون أحسنت ياواهب الآلاف وصار بهبته حبيبا إلي كل القلوب إذا ذكر غدا لا يذكر له من سجل حياته الطويلة إلا هذه الحسنة والمبرة‏,‏ وإذا ذكر المحسنون في العالم وفي الأمم المتمدنة خطر ذكر الدمرداش باشا لخاطر كل مصري‏'.‏

ويرصد كاتب المقال تطورا هاما حدث في طرق الإحسان التي لم تكن تعرف منها الأمة‏'‏ إلا إنشاء المساجد وإقامة المعابد لأن عصر الهبوط والسقوط أنساها تاريخ آبائها الصالحين‏,‏ وأنساها كل ضرب من ضروب الإحسان إلا بناء الهياكل فثابرت علي ذلك‏,‏ إلي أن أهاب بها دعاة الإصلاح ورسل النهضة بأن للإحسان والمبرات طرقا أخري‏..'‏
بدا هذا التطور بانتشار‏'‏ العمل الأهلي‏',‏ أو ما أصبح يطلق عليه الآن الـ‏N.G.O.S.,'‏ فما هو إلا أن ارتفع هذا الصوت عاليا في أنحاء البلاد حتي رأينا الأكف تدر بالمال درا لإنشاء الجمعيات الخيرية حتي أربي عددها علي الثمانين وإنشاء المدارس للفقراء والمعاهد والملاجئ والمستشفيات‏,‏ وكلما تقدمنا في الزمن سنة تقدم القادرون في الإحسان خطوة واسعة حتي بشرتنا هذه الدلائل الحديثة علي أنه لا ينقضي ربع قرن حتي نقف بفضل الإحسان والمحسنين في صف الشعوب الراقية‏'!‏

وتأكيدا علي أهمية‏'‏ الهبة العظيمة‏'‏ حرصت الأهرام علي أن تنقل ما جاء عنها في الصحف البريطانية‏,‏ فسجلت في أحد أعدادها وصف جريدة‏'‏ التايمز‏'‏ لحفل وضع حجر الأساس‏,‏ كما نشرت ما جاء في مجلة‏'‏ النير ايست‏'‏ عن هذه‏'‏ الهبة الباهرة‏'‏ حسب وصف المجلة التي رأت أنه لم يسبق لها مثيل في مصر‏'‏ والمأمول أن يقتدي كثيرون من الأعيان الموسرين بهذه القدوة الشريفة‏'.‏
وكان هناك‏(‏ ثانيا‏)‏ حفلات التكريم التي أراد كثيرون أن يقيموها للدمرداش باشا‏,‏ لدرجة أنه قد تشكلت لجنة تنفيذية برئاسة الدكتور شاهين مدير مصلحة الصحة العمومية لتكريم الرجل‏,‏ غير أنه اعتذر عن قبول هذا التكريم‏'‏ حتي يظل عمله خالصا لوجه الله ومرضاته‏,‏ وبعد التباحث رأت اللجنة احترام إرادته واتباع إشارته وعد عمله هذا عملا جليلا يضاف إلي عمله الجليل الذي قابلته الأمة بارتياح عظيم‏'.‏

وكان هناك‏(‏ أخيرا‏)‏ رد الفعل بحذو عدد من أعيان مصر حذو الدمرداش باشا‏,‏ وقد تسابق بعض هؤلاء في الإعلان عن هباتهم‏,‏ وبينما تأكد صدق البعض في السير في الطريق الدمرداشي‏,‏ فإن الآخرين لم يكونوا جادين‏..‏ كل ما في الأمر أنهم اهتبلوا الفرصة لترويج بعض الدعاية لشخوصهم‏..‏
من الأولين ظهر محمد بك سلطان الذي نفذ وصية أبيه بإنشاء مستشفي في القسم البحري من المنيا‏'‏ وهو المنطقة المحرومة من المستشفيات مع أهميته‏,‏ وقد بلغت نفقاته‏52‏ ألف جنيه عدا الأرض التي بلغت قيمتها خمسة آلاف جنيه‏'‏ ولم يبق سوي ترتيب الأبواب وما يتبع ذلك من بويات‏,‏ وهو عمل إنساني جليل يذكر بالشكر الوافر للمرحوم عمر باشا سلطان وبالشكر الجزيل لنجله محمد بك سلطان‏'!‏

منهم أيضا محمد بدراوي عاشور باشا الذي أنشأ مستشفي بناحية طيبة نشا مركز طلخا ومساحة من أطيانه بلغت ثلاثمائة فدان للإنفاق عليها‏.‏
أما من وعدوا ولم يفوا فقد كتبت الأهرام عن إبراهيم مراد باشا الذي كان قد وعد بإقامة مستشفي خيري في مدينة بلبيس‏,‏ وأنه سيوقف عليها ستين فدانا‏,‏ وكتبت جريدتنا عن هذا التبرع وانتظرت دون جدوي‏,‏ الأمر الذي دعاها إلي القول أنها لبثت طول هذه المدة وهي تظن أن‏'‏ الباشا سيقوم بتنفيذ هذه المبرة التي تحفظ له اسما في سجل الكرماء ولكن لم نجد تحقيق رغبته فهل لنا أن نرجو سعادة الباشا بتوسل أن يقوم بتنفيذ هذه المكرمة‏',‏ ويبدو أن الأهرام قد يأست بعد أن مر وقت طويل دون استجابة من الباشا فقررت الصمت